القاضي يسأل عن « فاطمة نسومر » و »زيطوط »

« تعليمة » مجهولة المصدر تمنع الصحافيين من تغطية الجلسة

عسول: « مرافعة النيابة ذكّرتني بخطابات قايد صالح »

« خالد درارني »: « أنا صحفي لست مجرم »

مُجاهدون، صحفيون، نشطاء، سياسيون، طلبة ومواطنون، تحدّوا السيّول التي تسبّبت فيها قطرات من الأمطار في العاصمة الجزائر، وجاؤوا في الصباح الباكر من يوم أمس الثلاثاء أمام مجلس قضاء الجزائر، لمساندة الصحفي خالد درارني، الناشط الجمعوي سليمان حميطوش والناشط السياسي سمير بلعربي.

« خالد درارني صحفي حرّ »، « صحافة حرّة عدالة مُستقلّة »، « الحرية للمعتقلين » و »جزائر حرّة ديمقراطية »، هي أبرز الشعارات التي ردّدها المتجمّعون أمام مجلس قضاء الجزائر منذ الساعة العاشرة صباحاً.

« تعليمة » مجهولة المصدر تمنع الصحافيين من تغطية الجلسة

منع أعوان الأمن بمجلس قضاء « رويسو » الصحافيين من تغطية المحاكمة، كما منعوا المواطنين العاديين من ولوج قاعة الجلسات على الرّغم من علانية الجلسة.

طالب الأعوان تسليمهم أمراً بمهمة، ورفضوا الاعتراف حتى ببطاقة الصحفي، الأمر الذي جعل الإعلاميين يعودون رغم السيول والأمطار إلى مقرّات عملهم من أجل الحصول على أمر بمهمة. إلاّ أن حجّة الأعوان هذه المرّة كانت اللّغة، إذ لا تُقبل الوثائق المدوّنة باللغة الفرنسية!

إصرار الصحافيين على تغطية المحاكمة جعلهم يقدّمون مرّة أخرى أمرا بمهمة مُدوّن باللغة العربية، إلّا أنّ إصرار الأعوان كان أكبر على ما يبدو وحجّتهم الثالثة كانت وباء « كوفيد 19″، وأعلموا رجال ونساء الإعلام أنّه تمّ السماح لـ « كوطة » تتكوّن من عشرة صحافيين فقط بالولوج إلى قاعة الجلسات، ذلك بتعليمة لم يذكروا مصدرها. الأمر الذي أغضب الصحافيين واعتبروه استفزازا لهم وطالبوا بمقابلة صاحب هذه التعليمة.

في هذه اللحظات، تعمّد الأعوان على اذلال وإهانة « السلطة الرابعة » في مجلس قضاء الجزائر، وذلك بطرد الصحافيين، مستعملين مضخة المياه ووسائل التنظيف، ليجد صحافيون أنفسهم مُجبرين على خلع نعالهم، ثمّ الخروج بالقوّة من طرف رجال الأمن.

كواليس ما قبل المحاكمة

في حدود الساعة الواحدة زوالا تسلّل « راديو ام » إلى قاعة الجلسات، قاعة ستُحاكم فيها الصحافة وحرية التعبير.

كانت قاعة الجلسات بالطابق الأوّل في مجلس قضاء الجزائر، تعجّ بأصحاب الجبّة السوداء، الذين جاؤوا من كلّ فجّ، رجالا ونساءً، بهدف الدفاع عن الحريات في الجزائر.

في القاعة يجلس بعض الصحافيين، دقائق بعدها التحق بالقاعة المجاهد والسجين السياسي السابق « لخضر بورقعة »، وفي الصفّ الأوّل من القاعة تجلس معتقلة الرأي السابقة الطالبة نور الهدى دحماني.

وفي بهو المحكمة، تتبادل هيئة الدفاع أطراف الحديث عن ملف المتهمين الثلاث تارة وعن وضع الحريات في الجزائر تارة أخرى. بينما أصوات المتجمّعون خارج المحكمة تردّد شعار « صحافة حرّة، عدالة مستقلّة ».

في حدود الساعة الواحدة والنصف رنّ جرس القاعة، دخل القاضي ومساعديه إلى جانب النائب العام، وقف الحضور ونادى رئيس الجلسة على المتهمين الثلاث.

إلّا أنّ خالد درارني لم يصل بعد من سجن القليعة، بسبب السيول التي تسبّبت فيها قطرات الأمطار، ليُقرّر القاضي تأجيل الجلسة إلى غاية حضوره.

خالد درارني يدخل قاعة المحاكمة « مُنتصراً« 

وصل الصحفي خالد درارني إلى محكمة رويسو، دخل القاعة مرفوقاً بسبع دركيين وشرطيين اثنين، ومُبتسماً رفع شعار الانتصار، شعارٌ صار رمزاً لحرية الصحافة في الجزائر.

رنّ جرس القاعة مرّة أخرى، نادى القاضي على المتهمين الثلاث، لتبدأ المحاكمة على الساعة الثانية و10 دقائق بعد الزوال.

القاضي يسأل عن « فاطمة نسومر » و« العربي زيطوط« 

كانت البداية مع الناشط السياسي سمير بلعربي وجّه له القاضي أسئلة عن منشورات فايسبوكية تعود لشهر مارس 2020، قال فيها إنّه وُجب الإقتداء بالشهداء الأبرار ومنشوراً قال فيه « موعدنا يوم السبت القادم »، أكّد المتهم للقاضي أنّه لم يدعو أبدا إلى التجمهر غير المسلح وأنّ مشاركته في المسيرة كانت سلمية.

انتقل رئيس الجلسة بعدها للناشط الجمعوي سليمان حميطوش، التي واجهه القاضي أيضاً بمنشورات فايسبوكية ومحادثات على مواقع التواصل الاجتماعي مع حساب باسم « فاطمة نسومر ».

ردّ سليمان بالقول إنّ « فاطمة نسومر » صديقته في النضال وعضو معه في جمعية « أس أو أس مفقودون » وهي جمعية تعمل على الدفاع عن حقوق عائلات المفقودين إبان العشرية السوداء، بعدها سأله القاضي عن علاقته بالعربي زيطوط، سؤال استغربت له هيئة الدفاع كما الحضور.

ختم سليمان حميطوش كلامه بالقول: « أنا ناضلت في الجزائر وأناضل في الجزائر وسأناضل في الجزائر ». ليأتي دور الصحفي خالد درارني، الذي نال الحصة الأسد من الأسئلة.

خالد درارني : « أنا هنا لأنني غطيت الحراك المبارك« 

أوّل الكلام كان: « أنا لست هنا لأنني تعاملت مع قناة أجنبية، بل لأنني غطيت الحراك الشعبي بكلّ استقلالية وصوّرت بعض الإعتقالات » ثمّ يُضيف: « يوم 7 مارس صوّرت اعتقال سمير بلعربي ».

واصل خالد درارني بنبرة صوتٍ واثقة: « رئيس الجمهورية يقول إنّ الحراك مبارك، لكن تمَّ سجنُ صحفي غطى هذا الحراك المبارك منذ أوّل يوم ».

ثمّ تساءل قائلا: « لماذا لم تضع الضبطية القضائية في الملف تغطيتي للمسيرات الموالية للنظام، أيضاً كتبت مع بداية الأزمة الصحية أنني لن أغطي الحراك لدواعي أمنية، لكن الضبطية القضائية لم تضعها في الملف ».

واجه بعدها القاضي خالد درارني بتدخلاته وتعاونه مع قناة أجنبية دون اعتماد، ليردّ: « تمّت معاتبتي لأنّني تعاونت مع قناة TV5 MONDE بدون اعتماد، إلّا أنني عملت كصحفي في قناة الشروق سابقاً على الرغم من عدم امتلاكها لاعتماد ».

في سؤال آخر، تطرّق قاضي الجلسة إلى رفض خالد درارني تسليم رقم هاتفه السري عند اعتقاله في مارس 2020، ليردّ: « أفضّل أن أبقى في السجن مدّة 6 أشهر على أن أعرّض مصادري للخطر، لن أكشف عن مصادري، ذلك وفقاً لما جاء في الدستور الجزائري الذي يحمي مصادر الصحفيين ».

وعن منشوراته على مواقع التواصل الاجتماعي، أوضح خالد درارني أنّها كانت نقلاً للوقائع والشعارات التي يُردّدها المتظاهرون في الحراك الشعبي، كان يضعها بين مزدوجتين ويرفقها بفيديو وصور توثّق ذلك. أنهى رئيس الجلسة أسئلته وجاء دور النيابة العامة للمرافعة.

مرافعة النيابة العامة: المُفاجأة !

مرافعة النيابة العامة حيّرت الجميع، إذ تحوّلت قاعة الجلسات إلى مدرّج تُلقى فيه محاضرة في التاريخ بدايةً وخِتاما في السياسة.

يقول النائب العام في بداية « مُحاضرته » إنّ الجزائر تتعرّض منذ القرن السادس والسابع عشر لحملات من الخارج، وراح يسرد قصصاً وقعت في القرون السابقة لا علاقة لها طبعاً بالتهم الموجهة لخالد دراني، سليمان حميطوش وسمير بلعربي.

من القرن السابع عشر وحملات الخارج على الجزائر، عاد النائب العام أخيراً إلى القرن الواحد والعشرين، وتوقّف في 22 فيفري 2019 وميلاد الحراك الشعبي، ليقول إنّ « ثماره كانت طيبة على الجزائر »، ويستدلّ بمحاكمة الوزراء والولاة في ملفات الفساد.

أما الشق الأغرب من مرافعة النائب العام، كانت تبريراته للاعتقالات التي طالت المتظاهرين أيام مسيرات السبت، في قوله: « مُنعت مسيرة السبت حمايةً لأوراح المواطنين والممتلكات » قبل أن يضيف: « سمعنا أصواتاً من الداخل والخارج، تؤكّد أنّ مسيرة السبت تهدف لإرهاق الأجهزة الأمنية، مثلما حدث سابقاً في ولاية غرداية مما أدى إلى انتحار بعض عناصر الشرطة ».

واصلت النيابة بالقول: « نحن اليوم لا نُحاكِم على النوايا بل على الأفعال، فنستغرب كيف للسفارة الفرنسية التي كانت تعذّب وتقتل الجزائريين بالأمس القريب أن تدفع لمواطنٍ تذكرة سفر من أجل حضور ندوة ضدّ العنصرية في حقّ الجزائريين ». النيابة بعد هذه المحاضرة قرّرت تأييد الإلتماس بـ 4 سنوات سجن نافذ و500 ألف دينار غرامة مالية في حقّ المتهمين الثلاث.

رفع القاضي الجلسة، وهرولت هيئة الدفاع إلى قاعة المحامين لتدوين أسماء المحامين الذين سيرافعون في حقّ كلّ من خالد درارني، سمير بلعربي وسليمان حميطوش.

المحامية عسول: « مرافعة النيابة ذكّرتني بخطابات قايد صالح« 

الحديث في هذه الأثناء كان فقط عن مرافعة النائب العام، الذي قدّم من خلالها تبريرات عوض أدلّة حقيقية تدين المتهمين.

المحامية زبيدة عسول أكّدت لـ « راديو ام  » استغراب هيئة الدفاع من مرافعة ممثل الحق العام، التي كانت بعيدة تماما عن القانون والملف والوقائع، بل راح يتحدّث عن ضرورة نهاية الحراك الشعبي ».

وأضافت المحامية عسول أنّ مرافعة النائب العام « ذكّرتها بخطابات قائد الأركان نائب وزير الدفاع المرحوم أحمد قايد صالح، في قوله أنّ الحراك الشعبي انتهى بعد سقوط العهدة الخامسة ».

وواصلت زبيدة عسول بالقول:  » ممثل الحق العام، الذي يتمثّل دوره في حماية المجتمع وضمان الحريات لجميع المواطنين والمواطنات بما فيها حرية التعبير والرأي والصحافة، بات غير مهتم بهذه الحريات، بل مهتم بالحفاظ على مصالح الأمن من التعب والإرهاق ».

وأردفت المحامية: « الحفاظ على مصالح الأمن من التعب والإرهاق، أمر خارج نطاق الملف، النائب العام اليوم قدّم مرافعة سياسية وأمنية وليست مرافعة قضائية ». وختمت عسول قائلة: « لحسن الحظ، الأحكام النهائية لا يصدرها النائب العام بل القضاة ».

مرافعات تاريخية و« درارني » يطالب زملائه بالإنصات جيدا لكلمته الأخيرة

رنّ جرس القاعة، عاد الحضور إلى أماكنهم وقدّمت هيئة الدفاع قائمة تتكوّن من 34 محامي سيرافعون في حق المتهمين الثلاث، في مدّة لا تتجاوز العشرة دقائق للمرافعة الواحدة.

كانت مرافعات تاريخية كالعادة، أصوات أصحاب الجبة السوداء صدحت في أرجاء القاعة لمدّة تجاوزت ثمانية ساعات من الزمن، أكّدوا فيها أنّ ممارسة العمل الصحفي ليس مساساً بالوحدة الوطنية، وأنّ المشاركة في مظاهرات سلمية ليس تحريضاً على التجمهر غير المسلّح.

من جهة أخرى، أجزمت هيئة الدفاع على أنّ محاكمة خالد درارني محاكمة سياسية بامتياز، خاصة بعد تصريحات رئيس الجمهورية واتهاماته له بالتخابر.

بينما المرافعات متواصلة، طلب خالد درارني الحديث مع المحامية « عويشة بختي »، الأخيرة التي اقتربت من الصحافيين المتواجدين بالقاعة، أعلمتهم أنّ زميلهم يطالبهم بالإنصات جيّدا لما سيقوله في كلمته الأخيرة.

« خالد درارني صحفي لست مجرم« 

ألقى المحامي « أمين سيدهم » المرافعة ما قبل الأخيرة في حدود الساعة العاشرة ليلا وعلامات الإرهاق والتعب كانت بادية على قاضي الجلسة ومستشاريه.

انتهت المرافعات وطالب رئيس الجلسة من المتهمين الوقوف لإلقاء كلمتهم الأخيرة. البداية كانت مع الناشط السياسي سمير بلعربي الذي قال إنّ « أساس الملك هو العدل ويطالب بالبراءة »، أما سليمان حميطوش ختم قائلا: « لو خيّرت بين حياتي ووطني لاخترت وطني ».

أما الصحفي خالد درارني أنهى الجلسة بالقول: « أنا صحفي لست مجرم، والصحافة التي أمارسها لا تهدّد سلامة الوطن بل تحميه ».

قرّر قاضي الجلسة بعدها تأجيل النطق بالحكم إلى الأسبوع المقبل.

آخر ما سمعه خالد درارني « أنت حرّ« 

في هذه الأثناء، كان المتجمّعون خارج المحكمة ينتظرون خروج خالد درارني مردّدين شعار « صحافة حرة عدالة مستقلة » إلى جانب « خالد درارني صحفي حر ».

حاول رجال الأمن تفريقهم إلّا أنّهم أصرّوا على البقاء إلى غاية خروج الصحفي خالد درارني، وأن يأخذ معه إلى زنزانته شعار « أنت حرٌّ ».

عاد خالد درارني ليقضي ليلة أخرى في سجن القليعة، أين يقبع فيه منذ 6 أشهر بتهمة المساس بالوحدة الوطنية والتحريض على التجمهر غير المسلح، تُهمٌ أصرّت هيئة الدفاع على أنّها باطلة، وأنّ تهمة خالد درارني الوحيدة هي تأدية مهمّته كصحفي حرّ ومستقل.